ابراهيم بن عمر البقاعي

534

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 66 إلى 70 ] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 66 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) . ولما أمر سبحانه بما دل على استحقاقه إياه ، أنتج قطعا قوله : قُلْ أي لهؤلاء الذين يجادلونك في التوحيد والبعث مقابلا لإنكارهم بالتأكيد : إِنِّي نُهِيتُ أي ممن لا ناهي غيره ، نهيا عاما ببراهين العقل ، ونهيا خاصا بأدلة النقل أَنْ أَعْبُدَ ولما أهلوهم لأعلى المقامات ، عبر عنهم إرخاء للعنان بقوله : الَّذِينَ تَدْعُونَ أي يؤهلونهم لأن تدعوهم ، ودلى على سفولهم بقوله تعالى : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الذي له الكمال كله ، ودل على أنه ما كان متعبدا قبل البعث بشرع أحد بقوله : لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ أي الحجج الواضحة جدا من أدلة العقل والنقل ظاهرة ، ولفت القول إلى صفة الإحسان تنبيها على أنه كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكرا لإحسانه فقال : مِنْ رَبِّي أي المربي لي تربية خاصة هي أعلى من تربية كل مخلوق سواي ، فلذلك أنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد . ولما أخبر بما يتخلى عنه ، أتبعه الأمر بما يتحلى به فقال : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ أي بأن أجدد إسلام كليتي في كل وقت على سبيل الدوام لِرَبِّ الْعالَمِينَ * لأن كل ما سواه مربوب فالإقبال عليه خسار ، وإذا نهى هو صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي ربه لأنه رب كل شيء ، كان غيره مشاركا له في ذلك لا محالة . ولما قامت الأدلة وسطعت الحجج على أنه سبحانه رب العالمين الذين من جملتهم المخاطبون ، ولا حكم للطبيعة ولا غيرها ، أتبع ذلك آية أخرى في أنفسهم هي أظهر مما مضى ، فوصل به على طريق العلة لمشاركتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم في الأمر والنهي في التي قبلها قوله تعالى : هُوَ لا غيره الَّذِي ولما كان الوصف بالتربية ماضيا ، عبر عنه به فقال : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي أصلكم وأكلكم التي تربى به أجسادكم ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ من مني يمنى ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ مباعدا حالها لحال النطفة كما كان النطفة مباعدا لحال التراب ، ثُمَّ بعد أن جرت شؤون أخرى يُخْرِجُكُمْ أي يجدد إخراجكم شيئا بعد شيء طِفْلًا لا تملكون شيئا ولا تعلمون شيئا ، ثم يدرجكم في مدارج التربية